الخطيب الشربيني
723
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
في الله تعالى ، منهم بلال ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضا فقال : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فأجاب الله تعالى دعاءه ، فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا وأدرك أبواه وابنه عبد الرحمن وابن ابنه أبو عتيق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وهم مؤمنون . ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة . تنبيه : أصلح يتعدى بنفسه لقوله تعالى : وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [ الأنبياء : 90 ] وإنما تعدى بفي لتضمنه معنى ألطف بي في ذرّيتي ، أو لأنه جعل الذرّية ظرفا للإصلاح والمعنى : هب لي الصلاح في ذرّيتي وأوقعه فيهم . إِنِّي تُبْتُ أي : رجعت إِلَيْكَ عن كل ما يقدح في الإقبال عليك . وأكده إعلاما بأنّ حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع : فينكر إخباره به وكذا قوله : وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي : الذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم فانقادوا أتمّ انقياد . أُولئِكَ أي : العالون الرتبة ، القائلون هذا القول أبو بكر ، وغيره . الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بأسهل وجه عَنْهُمْ وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في قبوله عمل المعتني ، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله تعالى : أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي : أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا . فإن قيل : كيف قال الله تعالى أَحْسَنَ والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه ؟ . أجيب بوجهين أحدهما : أنّ المراد بالأحسن الحسن ، كقوله تعالى : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الزمر : 55 ] وكقوله : الناقص والأشج أعدلا بني مروان . أي : عادلا بني مروان . ثانيهما : أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب . والأحسن ما يغاير ذلك ، وهو المندوب ، أو الواجب . ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا ، نبه على ذلك بقوله تعالى : وَنَتَجاوَزُ أي بوعد لا خلف فيه عَنْ سَيِّئاتِهِمْ أي : فلا يعاقبهم عليها . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : بنون مفتوحة قبل الفوقية من يتقبل ونصب أحسن ونون مفتوحة قبل الفوقية من يتجاوز والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من يتقبل ، ويتجاوز ورفع أحسن وقوله تعالى : فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ في محل الحال أي : كائنين في جملة أصحاب الجنة . كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي : في جملتهم . وقيل : خبر مبتدأ مضمر أي : هم في أصحاب الجنة وقوله تعالى : وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنّ قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ في معنى الوعد . فيكون قوله تعالى : يتقبل ، ويتجاوز وعدا من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز . والمعنى يعامل من صفته ما قدّمنا بهذا الجزاء . وذلك وعد من الله تعالى صدق ، لكونه مطابقا للواقع الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي : يقع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم ، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ [ التوبة : 72 ] . ولما وصف تعالى الولد البار بوالديه وصف الولد العاق لهما . بقوله تعالى : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما والمراد به الجنس . وقال ابن عباس والسدي : نزلت في عبد الله بن أبيّ .